الحياة بدون مايكروسوفت

نُشر[1] هذا المقال قبل أكثر من تسع سنوات في مجلة PC Magazine الإصدارة العربية، نقلتُه بعدما كنت أطالع ما كتبت قديماً.لم تغيّر مايكروسوفت شيئاً من سياستها منذ ذلك الحين بل زادت احتكاراً وانغلاقاً.

هل تذكرون أول مدقق إملائي ظهر باللغة العربية؟ لم يكن المدقق المذكور من إنتاج مايكروسوفت، وإنما أنتجته شركة صخر العربية. والأهم من ذلك أن مدقق صخر كان برنامجاً كفءاً أثار إعجاب كل من شاهده يوم عرضه لأول مرة، ولو كتبت له الحياة واعتمده المستخدمون العرب، لكان اليوم أفضل عشرات المرات مما كان عليه يوم ميلاده الرسمي الذي مضى عليه سنوات طويلة. أما لماذا اختفى مدقق صخر، ومعه معالج النصوص الجيد الذي أنتجته الشركة، فللأسباب نفسها التي أنستنا برنامج ”وورد بيرفيكت“، ونظام فواعد البيانات ”فوكس برو“، وبرامج شركة لوتس، ومنتجات شركة بورلاند، ونظام تشغيل IBM الذي كان يعرف باسم OS/2. والأسباب التي أقصدها تتجسد وتتمحور حول هيمنة مايكروسوفت على سوق نظم التشغيل والبرامج التطبيقية. ولكن ما ذنب مايكروسوفت في كل ذلك، وهل يمكن أن نعاقبها لأنها نجحت فيما أخفق فيه غيرها؟ المشكلة أن نجاح مايكروسوفت كان على حساب شركات ضخمة، كانت تتنافس فيما بينها وتنافس مايكروسوفت، وعن طريق التنافس كانت البرامج تتطور ومنتجات الكمبيوتر تتقدم. وهكذا تقلصت مكانة شركات ”لوتس“ و"بورلاند" وتقلص دور IBM في أسواق نظم التشغيل والبرامج التطبيقية، وانكمش حجم السوق الذي كان يستخدم منتجات شركة ”نوفيل“ المتخصصة في نظم تشغيل الشبكات، وخسرت ”نتسكيب“ شريحة ضخمة من زبائن متصفحات إنترنت، وغير هؤلاء كثيرون.

ولو كان السبب هو تفوق منتجات مايكروسوفت، لقلنا أنها المنافسة التي تجعل البقاء للأصلح، ولكن حين تكون القدرة التسويقية والمالية للشركة، وليست جودة منتجاتها، هي التي تمكنها من القضاء على منافسيها، أو حين يكون السبب هو الجمع بين إنتاج نظم التشغيل السائد في السوق، وإنتاج البرامج التطبيقية الرئيسية التي تعمل على هذا النظام، فإن الضرر يلحق بالمنافسين، وبالمستخدم. وحين تكون شركة واحدة، هي مايكروسوفت، المصدر الأكبر والأهم في إنتاج نظم التشغيل والبرامج التطبيقية الرئيسية لأجهزة الميكروكمبيوتر، تصبح أهم صناعة في العالم في قبضة شركة واحدة. ولا شك أن هذا وضع خطير، ويغرب بممارسات احتكارية، وهي تهمة أدينت بها الشركة أمام القضاء الأمريكي.

وقد رأى البعض (ومنهم القضاء الأمريكي)، أن ممارسات مايكروسوفت انعكست سلباً على السوق. ويتضح معنى تلك الممارسات حين نعود بالذاكرة إلى القصتين التاليتين - أولهما قصة نظام إدارة قواعد البيانات ”فوكس برو“: كانت حزمة البرامج التي يتشكل منها ”أوفيس“ تفتقد نظاماً لإدارة قواعد البيانات، وبالتالي كان النقص المذكور يشكل نقطة ضعف في المجموعة، وعمدت مايكروسوفت إلى طريقين في آن واحد، الأول هو البدء في تطوير نظام ”أكسس“، ولأن التطوير يحتاج لوقت، والشركة ترغب في الإطاحة بالمجموعات المنافسة، لجأت مايكروسوفت إلى شراء نظام إدارة قواعد البيانات ”فوكس برو“ وأضافته إلى ممتلكاتها، ثم راحت تستعين بتقنيات ”فوكس برو“ لتطعم به نظام ”أكسس“.

وبعد أن طورت ”أكسس“ توقفت عن تسويق ”فوكس برو“. وهكذا ضربت مايكروسوفت عدة عصافير بحجر واحد، فقد تخلصت من المنافسة التي كان يشكلها ”فوكس برو“ بشرائه، واستفادت منه في الفترة التي لم يكن لديها نظام بديل، فاستطاعت استخدامه لتعزيز موقفها في السوق، كما استخدمته في تطوير نظام خاص بها، وعندما استتب لها الأمر تخلصت منه. والثانية هي قصة إنترنت إكسبلورر: في سنوات قليلة، استطاعت ”نتسكيب“ أن تجعل متصفحها الشهير ”نافيجيتور“ المتصفح الأول لمستخدمي إنترنت. وواصلت الشركة الصغيرة العمل بجدية لتطوير متصفحها عاماً بعد عام. ولما انتبهت ممايكروسوفت إلى أهمية الإنترنت، اختارت لإزاحة ”نتسكيب“ من طريقها أسلوباً غريباً أبعد ما يكون عن المنافسة، تمثل في إنتاج المتصفح ”إنترنت إكسبلورر“، ودمجه في نظام التشغيل ويندوز، الأمر الذي ضمن وصوله لكل مستخدمي ويندوز، سواءً أرادوا المتصفح أم لم يريدوه. ولا يستطيع أحد الجزم بأن مايكروسوفت تتقاضى أو لا تتقاضى ثمناً لمتصفحها، فنحن ندفع ثمن نظام التشغيل، وإذا رفعت الشركة سعر هذا النظام، لن نستطيع إثبات أن الزيادة هي ثمن المتصفح، ويعني ذلك أن الشركة وجهت ضربة قاسية لمنافسها الرئيسي، بأسلوب غير التفوق بجودة المنتج، كما أرغمت المستخدم على وضع متصفحها على جهازه. وقد رأينا كيف تحول السوق تدريجياً من متصفح ”نتسكيب“، إلى المتصفح الذي تضعه مايكروسوفت على أجهزتها رغم أنف الجميع.

وأهم ما يلاحظ في هذا الأمر أن ربط المتصفح بنظام التشغيل لم يؤد إلى تطوير ويندوز أو تطوير المتصفح، فالفائدة الوحيدة الواضحة من دمج المتصفح في ويندوز تجارية محضة. وهناك عشرات الأمثلة التي تثبت توظيف قدرات مايكروسوفت في التخلص من المنافسة. وحين تتقلص المنافسة، تنخفض جودة الإنتاج، كما تزداد مخاوف الآخرين من الدخول في الميادين التي سبقتهم إيها مايكروسوفت، بل إن المستخدم ذاته يستسلم للبرامج السائدة، فيحجم عن تجربة منتجات الآخرين، وبالتالي لا تجرؤ شركة على التفكير في إنتاج حزمة تنافس ”أوفيس“. ليس لأن الآخرين لا يستطيعون تقديم إنتاج أفضل، ولكن لأن إمكانياتهم التسويقية في ظل هيمنة مايكروسوفت لا تضمن وصول المنتج الجديد إلى المستخدم. ولعل خير مثال على ذلك حزمة برامج ”ستار أوفيس“[2] التي تقدمها شركة ”صن“ مجاناً، فهل جرب أحد منكم الحزمة المجانية الجديدة؟!

باختصار، ارتبطت منتجات مايكروسوفت بجهاز الميكروكمبيوتر على حساب أطراف عديدة، وإذا نجح القضاء الأمريكي في تقسيم الشركة، فإن الحياة لن تتوقف، لأن برامج وأنظمة مايكروسوفت ستظل موجودة. وكل ما سيحدث أن الشركة ستتحول من حجمها العملاق الذي يخيف السوق، إلى حجم يشجع الآخرين على منافستها. وهو أمر ضروري، ليس فقط لصالح السوق والمستهلك، وإنما لصالح مايكروسوفت ذاتها!

إحصاء

في إحصاء طريف يذكره Adam Grant في كتابه Originals: How Non-Conformists Move the World عن مستخدمي متصفحات الإنترنت من غير التقنيين، يقول: إن نسبة مستخدمي متصفحي Firefox و Google Chrome يستمرون في أعمالهم بنسبة 15%، كما أنهم أكثر إنتاجاً في أعمالهم بالنسبة للشركات التي يعملون بها من مستخدمي Internet Explorer أو Safari.

لا تعني الدراسة شيئاً في المفاضلة بين جودة هذه المتصفحات، بل بين عقليات المستخدمين، إذ إن مستخدمي الأولين أكثر أصالةً وإبداعاً وأبعد عن التقليد والتكرار، فآثروا البحث عن بديل أفضل مما هو متاحٌ أصلاً على الأجهزة التي يعملون عليها (سواءً كانت PC أو Mac).


  1. طارق أنيس مجلة PC Magazine عدد آب 2000

  2. بدلاً من Star Office المجاني، تم تطوير OpenOffice الحر والذي يعمل على العديد من الأنظمة ومنصات التشغيل وبالعديد من اللغات.